«قارئة الفنجان»: القصيدة التي لم تَقُل فلسطين… وقالتها/ عيسى فريد مصلح

لا تنتمي قصيدة «قارئة الفنجان» إلى طائفة النصوص التي تُقرأ مرة واحدة ثم تُغلَق، بل إلى ذلك النوع القَلِق من الشعر الذي يعيد طَرْح نفسه كلما تبدّل وعي القارئ بالتاريخ.

تُعدّ القصيدة واحدة من أكثر نصوص نزار قباني إثارةً للجدل التأويلي، ذلك لأنها نَصٌّ مشفَّر، بُني على هندسة رمزية تَسمح له بأن ينفلت من حدود معناه المباشر المتمثل بالحب الفردي، ليقيم في منطقة المصائر الجماعية والقدر التاريخي.

وقد أعاد لقاءٌ قصير مع الكاتب والصحفي المصري أكرم السعدني فَتْح هذا الجدل التأويلي، حين أشار إلى أن نزار قباني كان قد أَسَرَّ لوالده (أي والد السعدني) بمعنى رمزي أعمق يتوارى خلف اللغة الغنائية للنص، مؤكداً أن القصيدة قد تُقرأ كنصٍّ قابلٍ لفكّ الشيفرة السياسية والوجودية.

كتب نزار قباني «قارئة الفنجان» عام 1970، في مرحلة كان فيها الشعر العربي يعيش تحوّلاً حاداً بعد هزيمة 1967. كانت هزيمة حزيران قد أحدثَت انكساراً يتجاوز بعدها العسكري، انكسار مَسَّ بنية الوعي العربي ذاته. ومع ذلك، أُصرّ —استخفافاً بوعي الشعوب العربية—على تسميتها بـ«النكسة»، لأن اللغة السياسية آنذاك كانت أعجز من أن تتحمّل حقيقة ما جرى. فـ«النكسة» لم تكن سوى تسمية مخفّفة لهزيمة ساحقة تجاوزت فداحتها هزيمة عام 1948 التي سُمّيت بـ"النكبة"، وهي محاولة لغوية لحماية صورة نظام لم يكن مسموحاً له أن يُهزم هزيمة ثانية، ولا أن يُدان بوصفه شاهداً على نكبة جديدة سُجّلت في عهده.

في هذا المناخ، تجاوز الحزن التجربة الفردية القابلة للاحتواء، وتحوَّل إلى حالة جمعية من وعي مثقوب، وصارت الهزيمة جرحاً مفتوحاً في ذاكرة الأمة.

لجأ قباني إلى شعر التفعيلة واعتمَد البحر المتدارك كاستجابة داخلية لحالة اختناق وجودي. فإيقاع هذا البحر، القريب من انهيار النفس واضطرابها، كان الأقدر على حَمْل كآبة الانتظار وقلق المصير.

غير أن ما يَمنح النص ثقله الحقيقي لا يكمن في شكله، بل في بنيته الرمزية المشحونة: قارئة فنجان تَقرأ قدراً لا يُردّ، طريقاً مسدوداً، قصراً محروساً، جنوداً وكلاباً، مفقودين بلا أثر، ملكاً مغلوباً، وحباً بلا نهاية. إنها مفردات تتجاوز معجم الغزل لتَستوطن قاموس المصير، حيث المنع نظام، والحصار قَدَر، والاستحالة قانونٌ غير مكتوب.

من «يا ولدي» إلى «يا شعبي»

المفتاح الأول في فَكِّ شيفرة القصيدة يكمن في هذا النداء المكرور: «يا ولدي». في القراءة السطحية، يبدو نداءً حميمياً صادراً عن عرّافة عجوز إلى شابٍّ مأخوذ بالحب. غير أن تكراره الممنهج يفضح طبيعته الحقيقية؛ هو نداء وصاية، أبويّ، سلطوي، تاريخي، يَصدر من موقع يدّعي المعرفة ويحتكر تفسير المصير. إنه صوت العاجز سياسياً وعسكرياً وأخلاقياً، صوت الأنظمة العربية وهو يخاطِب من جُرِّد من قراره، أي الشعب الفلسطيني.

هنا يبدأ النص بالانفصال عن الفردي ليدخل المجال العام؛ فالـ«ولد» يُخاطَب بوصفه موضوعاً للقدر، متلقياً لما يُقرَّر. ومن هذه اللحظة، تتحوّل القصيدة بكاملها من حكاية عاشق إلى خطاب موجَّه لشعب وُضع في موقع القاصر تاريخياً.

قراءة الفنجان: أي قراءة المصير الفلسطيني البائس

«جلست والخوف بعينيها، تتأمل فنجاني المقلوب»: هذا المشهد ليس بريئاً؛ حيث الخوف يَسبق الكلام، وكأن العرّافة تَعلم أن ما ستراه أثقل من أن يُقال. أما الفنجان المقلوب، فيتجاوز معناه الكلاسيكي بوصفه أداة تنجيم، ليصبح استعارة بليغة عن تاريخ مقلوب، وحاضر يُقرأ من قاع الكارثة، ومستقبل محجوب أُغلق إليه الطريق عمداً.

في القراءة الفلسطينية، نحن أمام أُمم "مهزوزة" تقف متفرجة، تتأمل المصير الفلسطيني ببرود ثابت، وبطمأنينة انفعالية تستحق، لشدّة فداحتها، أن تُدرَّس في كتب عِلم النفس الحديث كنموذج ممسوخ للتماهي مع العجز.

وحين تقول العرّافة: «فنجانك دنيا مرعبة، وحياتك أسفار وحروب»: هنا تتجلى سيرة شعب بأسره: فـ«الأسفار» هنا ليست انتقالاً طوعياً، بل اقتلاعاً؛ و«الحروب» ليست طارئة، بل نمط حياة. هجرة يتبعها لجوء، ومنفى يلد منفى، وحرب لا تنتهي إلا لتُمهّد لغيرها، في سلسلة سَحْق منهجية تطال الفلسطيني في كل احتمالات وجوده.

تأتي كلمة «الشهيد» في قول الشاعر: «قد مات شهيداً من مات على دين المحبوب» كفاصل دلالي حاد داخل بنية النص. فهي مفردة نادرة في سياق الغزل، ولا تَظهر إلا في أقصى تجلياته العذرية، لكنها هنا تُستدعى بوعي رمزي مقصود. فالحب، في هذا الموضع، يتعدّى كونه انفعالاً عابراً ليصبح عقيدة وجودية، والموت في سبيله لا يُحتسب خسارة، بل رِفعة إلى مرتبة الشهادة. هنا، يتحوّل البيت من استعارة شعرية إلى إعلان صريح: من مات دفاعاً عن وطنه—أي فلسطين— مات شهيداً.

أما المرأة التي لا تُلمس في قول الشاعر: «بحياتك يا ولدي امرأة، عيناها سبحان المعبود…» فتمثّل صورة مكتملة للجمال المتعالي؛ جمال يتجاوز الرغبة ليَبْلغ مقام القداسة. إننا أمام كيان يُنظر إليه بخشوع اكثر من شهوة، له تُستدعى لغة التسبيح.

وحين يتكثّف الرمز في قوله: «فحبيبة قلبك يا ولدي نائمة في قصر مرصود، والقصر كبير يا ولدي، وكلاب تحرسه… وجنود»، ينكشف القناع تماماً. فالقصر يتحول من استعارة رومانسية إلى جغرافيا مغلقة، وطن كامل أُحيط بمنظومة حراسة لعزله واحتلاله. أما الكلاب والجنود فليسوا حراساً، بل أدوات منظّمة للمنع والقمع والإذلال. هنا تستحيل فلسطين أميرة نائمة، يُمنع الوصول إليها قسراً.

ومن ثم يأتي الحُكم القاطع: «من يدخل حجرتها مفقود، من يطلب يدها… مفقود»، فكل محاولة للاقتراب من فلسطين، أو لاستردادها من عزلتها المفروضة، لا تُقابل إلا بالمطاردة، أو النفي، أو القتل، أو الإخفاء القسري.

و في قوله «لكن سماءك ممطرة، وطريقك مسدود… مسدود»: تنفصل السماء عن معناها الطبيعي لتتحول إلى فضاء قَدَر الفلسطيني المحتوم؛ والمطر هنا ليس غيث الحياة، بل سقوط كثيف للعنف؛ حجارة سجيل نارية ترمى على الفلسطيني المقاوِم. والطريق المسدود ليس عاطفياً، بل سياسياً، جغرافياً، تاريخياً. إنها صورة مكثفة للحصار: لا أفق، لا حل، لا طريق.

في صورتي «الملك المغلوب» و«الملك المخلوع»، يَرسم النص هيئة بطولة معلّقة في الفراغ. فالفلسطيني يظهر هنا كفاعل دائم في المشهد، محمّل بالفعل؛ يقاتل، يصمد، يحب، ويقدّم نفسه قرباناً لما يؤمن به. غير أن الفعل، مهما تكرّر، لا يفضي إلى سيادة، بل يعود في كل مرة محمّلاً بالخذلان. عند هذه النقطة تتكشّف مأساة القصيدة الحقيقية: تكرار الهزيمة المنتظم؛ هزيمة تعيد إنتاج نفسها لأن النصر جرى تعطيله عمداً، مرة بعد أخرى.

لأن نزار قباني أَدرك أن الحقيقة حين تقال عارية تُصادَر، اختار أن يخفيها في الرمز، فكتب فلسطين كقصيدة قادرة على النجاة والاستمرار.


Next
Next

المسيح سيبدو بملامح جليلي من القرن الأوَّل/ عيسى فريد مصلح