السطو على الزمن الفلسطيني بقلم عيسى فريد مصلح
اعتدنا، في مقارباتنا للاحتلال، أن نفكِّكه بوصفه مشروعاً لاستعمار الجفرافيا فقط: أرض تُصادَر، موارد تُنهَب، ومستعمرات تتمدّد كأورام بطيئة في جسد المكان الفلسطيني. غير أن هذا المنظور، على ضرورته، يَظلُّ قاصراً ما لم يُستكَمل بفهم البنية النفسية والوجودية التي يقوم عليها هذا النظام الاستعماري. في كتاب "طريق الوهم" آثرتُ التوقف عند هذا البعد العضوي، لا بحثاً عن ترف بلاغي أو غواية وجودية، وإنما بدافع الحاجة إلى فهم التكوين السيكولوجي لمنظومة استعمارية تُسقِط على الفلسطيني، بصورة تراكمية ومنهجية، أشكالاً متصاعدة من الإكراه والخنق، علّ هذا الفهم يمنحنا بعض أدوات الصمود، أو على الأقل، يَكشف منطق القهر بدل الاكتفاء بوصف نتائجه.
في هذه المقالة أَفتحُ نافذةً على بُعد آخَر لا يقل خطورة، وإن كان أكثر خفاءً، وهو البعد الزمني للاحتلال. فالاحتلال لا يكتفي بإعادة تشكيل المكان الفلسطيني وِفْق خرائطه القسرية، بل يتعدّى ذلك إلى السطو على الزمن نفسه، إلى تعطيله وتشويهه وإفراغه من معناه. هنا، يُفصَل الزمن عن مساره الطبيعي، كخطّ تراكمي يتيح التخطيط والتقدّم وبناء الأَثر، كما في أي سياق إنساني طبيعي، ويتحول إلى حلقة انتظار مفرغة في أحسن الأحوال، أو إلى مساحة استهلاك عصبي تُعلِّق المستقبل في أسوأها.
من انتظارِ التصاريح، إلى انتظارٍ على الحواجز، فانتظارٍ على الجسر، هي أدوات استعمارية دقيقة لإعادة ضَبْط إيقاع حياة الفلسطينيين ذاتها؛ إذ تمارَس السيطرة هنا على تدفُّق الوقت بوصفه شرطاً وجودياً للعمل والإنتاج والعلاقات الاجتماعية والاستقرار النفسي.
حين تُقرأ المعطيات خارج حيادها الظاهري، يُفضَح حجم هذا السطو المنهجي؛ تشير دراسات ميدانية محلية إلى أن الفلسطيني قد ينتظر بين 15 و 50 دقيقة على الحاجز الواحد، وِفق دراسة شملت 14 حاجزاً في الضفة الغربية عام 2025. في مواقع مركزية مثل حاجز قلقيلية أو الطرق الرابطة بين نابلس والقدس، إضافة إلى قلنديا والكونتينر، اِمتَد الانتظار إلى ثلاث أو أربع ساعات في بعض الأيام، لتحويل رحلة كانت تَستغرق ساعة واحدة إلى مسار استنزاف طويل، كما وثَّقت تقارير ميدانية نشرتها قناة الجزيرة في العام نفسه.
ويَبلغ هذا العنف الزمني ذروته على جسر الكرامة، الذي لا يَحمل من اسمه نصيباً: مكانٌ يتحوّل إلى طقس إذلال طويل، يُمتحَن فيه صبر الفلسطيني وأعصابه وكرامته على مدى ساعات لا تُحتسب من العمر إلا زمناً مهدوراً.
وعند إسقاط هذه الأرقام على الحياة اليومية، يَظهر حجم النزيف الزمني بصورة أوضح؛ إذا افترضنا، بحساب تقريبي متحفِّظ، أن الفرد يمر عبر حاجزين يومياً في طريقه إلى عمله أو دراسته، فإن ما لا يقل عن ساعة ونصف من عمره تُقتطع يومياً لصالح هذا الفراغ القهري.
وعلى مستوى المجتمع، تتجاوز الخسارة بُعدها الفردي لتتحول إلى نزيف زمني جماعي. تقديرات بحثية تشير إلى أن الفلسطينيين في الضفة الغربية يخسرون نحو 60 مليون ساعة عمل سنوياً بسبب الحواجز العسكرية وحدها، وهو رقم لا يحصي الزمن المهدور في تفاصيل الحياة اليومية الأخرى.
وعند تتبُّع هذا النزيف الزمني، تتّضح فداحته التراكمية: 60 مليون ساعة عمل مهدورة سنوياً تعني 300 مليون ساعة خلال خمس سنوات، و600 مليون ساعة خلال عقد واحد، وأكثر من مليار ساعة خلال 20 عاماً، وفق حسابات قائمة على ثبات الظروف. لكن الواقع الميداني يشير إلى ازدياد عدد الحواجز وتشديد القيود في فترات سياسية وأمنية متعددة، ما يجعل الخسارة الفعلية أعلى من هذه التقديرات.
غير أن خطورة هذا الزمن المسروق لا تكمن في كميته وحدها، بل في أثره النوعي. فالزمن المهدور يعيد تشكيل الجسد والنفس معاً: ضغط عصبي مزمن، اضطرابات نوم، إنهاك دائم، صعوبة في التركيز، واستجابة إجهاد طويلة الأمد تنهِك الجهاز العصبي والمناعي. ومع استمرار هذا الضغط البنيوي، تتزايد احتمالات الإصابة بأمراض القلب، واضطرابات القولون، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض ذات صلة مباشرة بالتوتر المزمن. هنا لا نتحدث عن حالات فردية معزولة، بل عن نمط صحي جماعي يولّده سياق قهري مستدام.
على المستوى النفسي الأعمق، يؤدي التعرض المزمن للسيطرة والإذلال وعدم القدرة على التخطيط إلى صدمات تراكمية قريبة من اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD). تتجلى هذه الحالة في قلق دائم، اكتئاب، انسحاب اجتماعي، أو سلوكيات دفاعية عدوانية. الأطفال والمراهقون الذين ينشأون في بيئة يطغى عليها التهديد وعدم اليقين يُظهِرون معدلات أعلى من اضطرابات السلوك والقلق وضعف الرفاه النفسي، مع آثار ممتدة على تشكُّل الهوية والنمو الاجتماعي في المدى الطويل.
وحين يتراكم هذا الضغط في ظِل عدم وجود شبكات دَعْم نفسي واجتماعي قادرة على الاحتواء، تتحول البيئة بأكملها إلى بيئة طاردة. هنا، ينجح الاحتلال في إضعاف قدرات المجتمع الفلسطيني على تنظيم توتره الداخلي، ما قد يَفتح الباب أمام تفكُّك اجتماعي، وتصاعُد في السلوكيات العدوانية أو الإجرامية بوصفها نتيجة مباشرة لاختلال طويل في شروط العيش الإنساني.
نجح الاحتلال بإحداث شرخ داخل النسيج الأخلاقي ذاته؛ إذ تصبح النجاة الفردية، عبر تقليص ساعة من الانتظار والمعاناة، سباقاً همجياً يتخلى فيه الفرد، إلى حد بعيد، عن إنسانيته.
الاحتلال، في جوهره، لا يسرق الأرض وحدها، ولا يكتفي بتقييد الحركة، بل يعيد هندسة زمن الفلسطيني ليبقيه -أي الفلسطيني-عالقاً في حالة انتظار دائمة وحاضر مفرغ ومستقبل مؤجَّل إلى إشعار آخر.